محمد الساعدي
46
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح
كلّ فجّ عميق : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ( سورة الحجّ : 28 ) ، وهذا التجمّع الكبير في الحجّ يعدّ رمزاً حيّاً لوحدة الأُمّة الإسلامية كلّها ، فهؤلاء ممثّلوها من كلّ مكان يجمعهم هدف واحد ، ويربط بين قلوبهم رباط واحد ، يجعل منهم جميعاً أُخوة متحابين متآلفين بأمر اللَّه . ويعبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى الإيماني بقوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ( سورة آل عمران : 103 ) ، وهذه الوحدة الروحية من شأنها أن تقضي على كلّ ما يعكّر صفو الأُمّة أو يعمل على تقطيع أوصالها ، فمادام الربّ واحداً والدين واحداً فلا مجال للتناقض في أُمور الدين . والاعتصام بحبل اللَّه ليس مجرّد شعار يرفعه المسلمون ، وإنّما له متطلّبات لا يتحقّق بدونها ، ولا يقع عند اللَّه موقع القبول إلّاإذا تحقّقت وقام المعتصمون بتبعاتها على الوجه الذي رسمه اللَّه في كتابه طريقاً لكمال الإنسانية ورقيها ، فهو يقضي بتنحية الشهوات والأهواء التي تثيرها العصبيات القبلية والعرقية والمذهبية ، ويقضي بالنظر السريع في تنقية العقائد والعبادات وسائر التعاليم الإلهية ممّا يشوبها ويكدّر صفوها من صور الشرك والابتداع الذي هيّأ لخصوم الإسلام أن يقولوا بتعدّدية الإسلام ويزعموا أنّ الإسلام ليس ديناً واحداً وإنّما هو أديان متعدّدة تختلف باختلاف الأقاليم والمذاهب : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ( سورة الكهف : 5 ) . ثانياً : البعد الإنساني . ويتّضح البعد الإنساني لوحدة الأُمّة الإسلامية جلياً في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة ، فاللَّه سبحانه وتعالى يلفت نظرنا إلى وحدة الأصل الإنساني . فالناس جميعاً قد خلقهم اللَّه من نفس واحدة : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ( سورة النساء : 1 ) ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله يؤكّد هذا المعنى أيضاً في قوله : « يا أيّها الناس ، ألا إنّ ربّكم واحد وأباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر ، إلّابالتقوى » .